أبي الفرج الأصفهاني
390
الأغاني
ولقد أبيت على الطَّوى وأظلَّه حتّى أنال به كريم المأكل فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ما وصف لي أعرابيّ قطَّ فأحببت أن أراه إلَّا عنترة » . كيف ألحق أخوته لأمه بنسب قومه : أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا أبو سعيد السكَّريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ وأبي عبيدة : أن عنترة كان له إخوة من أمّه ، فأحبّ عنترة أن يدّعيهم قومه ؛ فأمر أخا له كان خيرهم في نفسه يقال له « حنبل » ، فقال له : أرو مهرك من اللَّبن ثم مرّ به عليّ عشاء . فإذا قلت لكم : ما شأن مهركم متخدّدا [ 1 ] مهزولا ضامرا ، فاضرب بطنه بالسيف كأنّك تريهم أنك قد غضبت مما قلت : فمرّ عليهم ، فقال له : يا حنبل ، ما شأن مهركم متخدّدا أعجر [ 2 ] من اللبن ؟ فأهوى أخوه بالسيف إلى بطن مهره فضربه فظهر اللبن . فقال في ذلك عنترة : أبني زبيبة ما لمهركم متخدّدا وبطونكم عجر ألكم بإيغال الوليد على أثر الشّياه بشدّة خبر [ 3 ] / وهي قصيدة . قال : فاستلاظه [ 4 ] نفر من قومه ونفاه آخرون . ففي ذلك يقول عنترة : ألا يا دار عبلة بالطَّويّ كرجع الوشم في كفّ الهديّ [ 5 ] وهي طويلة يعدّد فيها بلاءه وآثاره عند قومه . جوابه حين سئل أنت أشجع العرب : أخبرني عمّي قال أخبرني الكرانيّ عن / النّضر بن عمرو عن الهيثم بن عديّ قال : قيل لعنترة : أنت أشجع العرب وأشدّها ؟ قال لا . قيل : فبماذا شاع لك هذا في الناس ؟ قال : كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما ، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما ، ولا أدخل إلا موضعا [ 6 ] أرى لي منه مخرجا ، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشّجاع فأثنّي عليه فأقتله . أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال : قال عمر بن الخطاب للحطيئة : كيف كنتم في حربكم ؟ قال : كنا ألف فارس حازم . قال : وكيف يكون ذلك ؟ قال : كان قيس بن زهير فينا وكان حازما فكنا لا نعصيه . وكان فارسنا عنترة فكنّا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم . وكان فينا الرّبيع بن زياد وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه . وكان فينا عروة بن الورد فكنّا نأتمّ بشعره ، فكنا كما وصفت لك . فقال عمر : صدقت .
--> [ 1 ] المتخدد : المهزول . وفي الأصول : « متخدرا » في المواضع الثلاثة . والتصويب عن « اللسان » ( مادة عجر ) . [ 2 ] بطن أعجر : ملآن . [ 3 ] رواية هذا البيت في « الديوان » : ألكم بآلاء الوشيج إذا مر الشياه بوقعة خبر والمراد في كلتا الروايتين غامض . [ 4 ] استلاطه قومه : ألصقوه بهم وادّعوه . [ 5 ] الطويّ : موضع . والهديّ : العروس . [ 6 ] كذا في م . وفي سائر الأصول : « ولا أدخل موضعا إلَّا أرى منه مخرجا » .